
يعتقد بعض الآباء أن الأبناء ملك لآبائهم يتصرفون فيهم كيفما شاؤوا بما في ذلك الإيذاء وإزهاق الأرواح!.
البعض يرى أن المرض النفسي وإدمان تعاطي المخدرات وغياب الوازع الديني وانعدام الرحمة.. وراء ظهور مثل هذا النوع من الجرائم.
آخرون يؤكدون أن هناك من يستغل “عمدا” النصوص الدينية الداعية إلى بر الوالدين والإحسان إليهم في تبرير ظلمهم لأبنائهم، وبخسهم حقوقهم، وإيذائهم إلى حد القتل.
في مقدمة النصوص التي يسيء البعض فهمها، ويقوده ذلك إلى سلوكيات تصطدم مع الشرع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا يقاد قاتل بولده”.. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “أنت ومالك لأبيك”.
فما المراد بهذه النصوص؟ وهل تمنع القصاص من قاتل ابنه حتى لو كان القتل “عمدا”؟ أم إن الأمر مقيد بنصوص أخرى تبيح القصاص من الأب؟.
وإذا كان القصاص ممنوعا عند بعض الفقهاء فهل يجوز قتل الأب القاتل ابنه “عمدا” من باب التعزير لدرء الخطر عن المجتمع؟.
ولماذا يصر البعض على “تبرير” جرائمه بنصوص لم يفهمها، أو تعمد إساءة تفسيرها؟. وما هو دور علماء الدين والاختصاصيين في علوم الاجتماع والنفس والصحة النفسية وحقوق الإنسان وغيرهم في مواجهة مثل هذه الجريمة؟
“الوطن” طرحت القضية للمناقشة، وكان هذا التحقيق:
بداية.. يجزم الدكتور حاتم الشريف اختصاصي علوم السنة النبوية عضو مجلس الشورى بأن حديث “لا يقاد قاتل بولده” فيه خلاف قديم ومعاصر في صحته ودرجة قبوله، غير أن أحدا من أهل العلم لم يقل إنه مكذوب.
ويصف الحديث بأنه “خفيف الضعف”، ولا ينزل عن هذه الدرجة. ويقول: إن هذا الحديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ به الصحابة، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبعض كبار التابعين، وأتباع التابعين.
وقد أخذ به الأئمة: الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، كما أخذ به الإمام مالك، لكنه خالف الآخرين في فهمه، فقد ذهب إلى أن المقصود بهذا الحديث أن يراعي القاضي شبهة أن الوالد لا يمكن أن يقتل ولده في العادة إلا خطأ، وأنه إذا وقع قتل فهو بغير قصد، فإذا ثبت عند القاضي أن الوالد “متعمد” فإنه يُقتَل.
تحقيق العدالة
ويشير الدكتور الشريف إلى أنه لا يجوز في فقه الإمام مالك أن يؤخذ الحديث بظاهره مطلقا، ويُغَض النظر عن بقية الأمور المتصلة به. ويحتج الإمام مالك بقصة حدثت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب حيث رمى أحد الآباء سيفا على ولده فمات الابن، ورفعت القضية لعمر رضي الله عنه، فقال الأب إن القتل حدث بغير قصد، ودلت القرائن على أن الأب أراد أن يعطي ابنه السيف، فوقع في مقتل، فمات الابن.
ورأى عمر ألا يُقتَل الأب بناء على القرائن، حيث توجد “شبهة” عدم وجود دليل على تعمده، إضافة إلى أن الله تعالى فطر الناس على محبة أبنائهم.. والمعروف أن الحدود تدرأ بالشبهات عموما، فكيف بهذه الشبهة بين الوالد وولده؟.
ويوضح الدكتور الشريف أن الحكم بقتل والد الطفلة “غصون” كان من باب “التعزير” وليس من باب “القصاص”، وذلك بهدف إيجاد حل للمشكلة، ولو أخذ الحكم بالمذهب الحنبلي الذي يقضي بعدم قتل الوالد حتى لو قتل ابنه عمدا، لحدث حرج شديد ينافي مقاصد الشريعة من تحقيق العدالة في مثل هذه الأمور.
ومن هنا لجأ الحكم إلى “التعزير” وهو صحيح، ولو أخذ بمذهب الإمام مالك لكان الحكم “قصاصا” لا “تعزيرا”، والقتل “قصاصا” أشد حزما في الحكم من التعزير الذي يعود لنظرة القاضي.
وقفة حازمة
ويرى الدكتور الشريف أن فقه الإمام مالك في هذه القضية هو الأرجح، حيث لم يأخذ بظاهر النص، وجمع بين النصوص العامة الواردة في كتاب الله مثل: “النفس بالنفس” ولم يقيد ذلك بوالد أو ولد أو ما شابه ذلك.
وقال: ما يحدث من البعض الآن حالة خارجة عن المعتاد، ولا بد من وقفة حازمة لمواجهتها، كما فعل عمر بن الخطاب عندما ضاعف حد شرب الخمر من 40 جلدة إلى 80 جلدة بعد أن رأى تهافت الناس على شربها.
فإذا وجد القضاة وهيئة العدالة أن هناك تساهلا من بعض الآباء الذين مسخت فطرتهم ويتجرأون على هذا العمل الشنيع، فإنه يجب عليهم النظر في هذه المسألة نظرة جديدة، كما يجب فهم حديث “لا يقاد قاتل بولده” في إطار بقية نصوص الشريعة، وحمله على القرائن، فإذا اتضح “العمد” يكون الحكم “قصاصا” لا “تعزيرا”.
مرتكب كبيرة
من جهته شدد الشيخ الدكتور عبدالله الفوزان عضو هيئة حقوق الإنسان على أن النصوص الواردة في بر الوالدين والإحسان إليهم لا تبرر ظلم الأولاد، وبخس حقوقهم، أو الاعتداء عليهم بغير حق.. ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا يقاد قاتل بولده”، وقوله أيضا: “أنت ومالك لأبيك”، وقوله: “إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه”.. وغيرها من النصوص التي تدل على عظم حق الوالدين، وأن الوالد شريك لولده في ماله ونفسه.
صور من العنف الابوي



