فتوى بتحريم “الزلابية” تثير جدلاً بين الصائمين في الجزائر!!


أثارت فتوى منسوبة لأحد شيوخ السلفية في الجزائر، تقضي بتحريم “الزلابية”، زوبعة كبيرة في الشارع الجزائري الذي يكنّ عشقا كبيرا لهذه الحلوى؛ خصوصا في شهر الصيام.

بدأت القصة عندما نشرت صحيفة “الخبر الأسبوعي” مقالا طويلا تناولت فيه سيرة الشيخ محمد علي فركوس المكنى بـ”أبي عبد المعز”، ونسبت إليه فتوى تحرم الزلابية وحلويات أخرى محلية تعرف باسم “الطمينة” وهي حلوى تصنع عادة في الجزائر احتفالا بالمولود الجديد.

تحريم الزلابية وتحليل الرشوة

وجاء في الصحيفة أن “الكثير من مريدي الشيخ حرموا أنفسهم من زلابية رمضان باعتبارها من بدع الصيام والطمينة أيضا، لأنها من البدع التي أدخلت على الدين”، وأوردت الصحيفة ما اعتبرته دليلا على إصدار الشيخ فركوس لفتوى تحريم الزلابية، فقالت أن الفتوى موجودة في كتاب “40 سؤالا في أحكام المولود لفضيلة الشيخ حسنة الأيام محمد علي فركوس”، وبحسب ما نشرته الصحيفة فإن فتوى الشيخ جاءت في الصفحة السادسة من الكتاب كالتالي “عمل بعض الحلوى كالزلابية أو العصيدة أو نحوها من الحلويات التي تخصص للمولود يوم سابعه، من بدع العقيقة، وعمل الحلوى يحتاج إلى دليل شرعي، لأن الطمينة في الغالب عند تقديمها يوضع في وسطها علامة صليب من مادة القرفة”.

وزيادة على فتوى تحريم الزلابية، نسبت الصحيفة للشيخ فركوس فتوى جواز تقديم الرشوة من الملتحي الذي يريد إصدار جواز سفره بلحية إذا رفضت الإدارة استخراج هذه الوثيقة، وبحسب الصحيفة، فإن الشيخ فركوس أفتى بجواز نزع اللحية من الصورة بواسطة جهاز سكانر تجنبا للوقوع في المحظور.

من الطيبات

وتزامن نشر فتوى تحريم الزلابية مع بدء شهر الصيام، حيث يكثر إقبال الجزائريين على شراء هذه الحلوى، وهو ما أوقع جدلا كبيرا في الشارع الجزائري، خصوصا في أوساط “الملتزمين”، الأمر الذي دفع الشيخ فركوس إلى المسارعة في تكذيب ما نسبه له.

وجاء في التكذيب الذي نشرته بعض الصحف ونشر كاملا على الموقع الإلكتروني للشيخ، في 28-8-2008، قوله “نُنَـبِّه فاقدَ التأهيل العِلمي، الذي لا يُحسِنُ التمييزَ بين التمرة والجمرة، ولا بين الشحمة والفحمة، أن يسعى إلى إدراك مسالك الحقِّ والباطل، فيقف مع الحقِّ وأهلِه، ويحشر نفسه مع زمرتهم، ومن تكلَّف ما لا يحسن، وتكلَّم في غير فَـنِّه، أتى بالعجائب”.

ويبدو أن انتقاد الصحف لعدم وضوح موقف الشيخ فركوس من أكل الزلابية، دفعه إلى إصدار فتوى “تحلل أكلها” يوم 4-9-2008، حيث جاء في فتوى منشورة تحت رقم 934 في صنف فتاوى الأطعمة والأشربة، قول الشيخ ” فاعلم أنَّ (الزلابية) كغيرهَا من الحلْوى مَعْدُودَةٌ من الطيِّبَات يَتَغَذَّى بها الجسْم كسائرِ الأطْعمةِ التي يكونُ لها أثرٌ طيِّبٌ على قِوامِ بدنِ الإنسانِ، والأَصْلُ فِيهَا الحلُّ”.

من هو الشيخ فركوس؟

ومعروف في الجزائر عن الشيخ فركوس أنه أحد كبار شيوخ السلفية العلمية في الجزائر، وله أتباع ومريدون كثر، لكن ما نشرته صحيفة “الخبر الأسبوعي في نبذتها التعريفية بالشيخ، يدعو للجدل مجددا، حيث جاء في العدد الأخير من الصحيفة أن “الشيخ فركوس يدعي النبوة”.

وقالت الصحيفة نقلا عما كتب في ركن “تعريف بالشيخ” أن المشرفين على موقع الشيخ وصفوه بأوصاف النبوة عندما قالوا “فلا شرف فوق شرف وارث مرتبة النبوة، نسأل الله تعالى أن يكون شيخنا أبو عبد المعز ممن نال تلك المرتبة”، ولكن أحد زوار الموقع، من جنسية ليبية، كتب إلى إدارة الموقع ينبههم موضحا أن الأصح هو القول “فلا شرف فوق شرف وارث ميراث النبوة”، وهو ما سارعت إلى استدراكه إدارة الموقع بحسب ما جاء في الصحيفة.

ورصدت “العربية نت” رأي الشارع الجزائري، في فتوى تحريم الزلابية، فأوضح “حمزة ب.” متحدثا لـ”العربية نت” أنه اعتاد شراء الزلابية كل عام، نافيا أن يكون قد سمع بهذه الفتوى أصلا، أما “أعمر تركامي” فقد أثار مسألة ارتفاع سعر الزلابية كل عام، مشيرا بالقول “سعرها هذه السنة 170 دينار (2.5 دولار تقريبا) وإذا استمر الارتفاع سأتوقف عن شرائها دون الحاجة إلى فتوى تمنعني”.

Advertisements

3 تعليقات »

  1. محمد الجزائري said

    ملخص الفتوى أن الشيخ الدكتور محمد علي فركوس -حفظه الله- قال : لا يجوز اعتقاد لا يصح كذا إلا بكذا

  2. محمد الجزائري said

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
    أما بعدُ: فإنَّ العلم أعظم ما يتنافس فيه المتنافسون، إذ هو ميراث النبوة، ونورٌ يُستَضَاء به، وحاجة الناس إليه أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب وأمور معاشهم، قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- عن فقهاء الإسلام: (١- أعلام الموقعين ١/٣٦).
    وقد قرن الله جلَّ وعلا شهادة العلماء بشهادته و شهادة الملائكة فقال سبحانه ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوْ العِلْمِ قَائِماً بِالقِسْطِ﴾[آل عمران ١٨]، وقال الله تعالى ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِيْنَ أُوْتُوْا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[ المجادلة ١١]، وقال سبحانه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾[فاطر ٢٨].
    والفرق بين العالم وبين ضعيف العلم قليل البصيرة: أنّ الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينه ولا قدحت فيه شَكّاً لأنّه قد رسخ في العلم، فلا تستفزه الشبهات ولا تزعزعه الإيرادات، أما الجاهل فإنّ الشكَّ ينقدح في قلبه لأول عارض من شبهة فيكثر التنقل من مذهب لآخر لضعف علمه وقلَّة بصيرته فليس العالم الرشيد كأخي الجهالة، ومن تمادى في الغيِّ والضلالة(٢- أنظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم ١/١٤٠).
    نسأل الله أن يكون شيخنا أبو عبد المعز ممن نال درجة العلماء و أن يبلِّغه المنازل العلى منها، إنَّه بكلِّ جميل كفيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
    وهذه ترجمة موجزة فيها إبراز لبعض معالم شخصيته مع يقيني أنه أكبر مما وصفت وأجلُّ مما ذكرت، نسأل الله الإخلاص والصواب والتوفيق والسداد.

    ١. اسمه ومولده:
    هو شيخنا القدوة حسنة الأيام أبو عبد المعز محمد علي بن بوزيد بن علي فركوس، وُلد بالقبَّة القديمة بالجزائر العاصمة في يوم الخميس التاسع والعشرين من ربيع الأول سنة ١٣٧٤ﻫ الموافق للخامس والعشرين من شهر نوفمبر سنة ١٩٥٤م.

    ٢. نشأته العلمية:
    لقد نشأ شيخنا -أيَّده الله- في محيط علمي وبيت فضل وجلالة و حُبٍّ للعلم وأهله، فكان لذلك أثره الواضح في نشأته العلمية، حيث أخذ نصيبه من القرآن الكريم، وطرفاً من العلوم الأساسية في مدرسة قرآنية على يد الشيخ محمد الصغير معلم.
    ثم التحق بالمدارس النظامية وحصل على شهادة الثانوية العامة (البكالوريا)، ثمّ أتمَّ دراسته في كلية الحقوق- والعلوم الإدارية لاشتمالها على جملة من المواد الشرعية كالفرائض والأحوال الشخصية [زواج، طلاق، هبة و وصية..]، وذلك لعدم وجود كليات متخصصة في العلوم الشرعية في ذلك الوقت.
    وقد ملك على الشيخ منذ صغره حُبُّه للعلم و النبوغ فيه، ولم يزل ذلك شغله الشاغل حتى منَّ الله تعالى عليه بالالتحاق بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ذاك الصرح العالي الذي يأوي إليه الباحثون ويجتمع عليه طلبة العلم من أصقاع الدنيا لمجالسة العلماء وملازمة الفقهاء ليفيدوا من علومهم ويستضيئوا بفهومهم ولاسيَّما حلقاتُ العلم الكثيرة المنتشرة في المسجد النبوي الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم :”صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام”وقد تخرَّج شيخنا من كلية الشريعة عام ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م بتقدير ممتاز.

    ٣. أبرز مشايخه:
    1- الشيخ عطية بن محمد سالم رحمه الله القاضي بالمحكمة الكبرى بالمدينة النبوية والمدرَّس بالمسجد النبوي: درس عليه موطأ الإمام مالك رحمه الله.
    2- الشيخ عبد القادر شيبة الحمد: أستاذ الفقه و الأصول في كلية الشريعة.
    3- الشيخ أبو بكر الجزائري: المدرِّس بالمسجد النبوي وأستاذ التفسير بكلية الشريعة.
    4- محمد المختار الشنقيطي رحمه الله (والد الشيخ محمد): أستاذ التفسير بكلية الشريعة، ومدرِّس كتب السنة بالمسجد النبوي.
    5- الشيخ عبد الرؤوف اللّبدي: أستاذ اللغة بكلية الشريعة
    وقد استفاد من المحاضرات التي كان يلقيها كبار العلماء والمشايخ أمثال الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ حماد بن محمّد الأنصاري رحمهما الله تعالى.
    وكان حريصا على حضور المناقشات العلمية للرسائل الجامعية التي كانت تناقش بقاعة المحاضرات الكبرى بالجامعة الإسلامية من قِبَل الأساتذة والمشايخ الذين لهم قدم راسخة في مجال التحقيق ورحلة طويلة في البحث العلمي، وقد أكسبه ذلك منهجية فذَّة في دراسة المسائل العلمية ومناقشتها.
    وفي عام ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م حطَّ عصى التَّرحال واستقَرَّ به النوى في الوطن الحبيب، فكان من أوائل الأساتذة بمعهد العلوم الإسلامية بالجزائر العاصمة الذي اعتُمد رسميا في تلك السنة، وقد عُيِّن فيه بعد ذلك مديرا للدراسات والبرمجة.
    وفي سنة ١٤١٠هـ/١٩٩٠م انتقل إلى جامعة محمد الخامس بالرباط لتسجيل أطروحة العالمية العالية (الدكتوراه)، ثمَّ حوَّلها – بعد مُدَّةٍ من الزمان – إلى الجزائر فكانت أول رسالة دكتوراه دولة نوقشت بالجزائر العاصمة في كلية العلوم الإسلامية وذلك سنة ١٤١٧هـ/ ١٩٩٧م.
    ولا يزال إلى يوم الناس هذا مُدَرِّسا بهذه الكلية، مُسَخِّراً وقتَه وجُهدَه لنشر العلم ونفع الناس و الإجابة عن أسئلتهم، ولم تكن الكلية منبره العلمي والتربوي الوحيد في الدعوة إلى الله تعالى، بل كانت المساجد محطة علمية توافد عليها جموع طلبة العلم من كل الجهات، فأتم شرح روضة الناضر لابن قدامة المقدسي في علم الأصول بمسجد الهداية بالقبة ( العاصمة ) كما أتم شرحه على مبادئ الأصول لابن باديس بمسجد الفتح بباب الوادي ( العاصمة )، ودرّس القواعد الفقهية بمسجد أحمد حفيظ ببلكور ( العاصمة )، كما شرح رسائل لمشايخ الدعوة السلفية، وأجاب عن عدة أسئلة في مختلف العلوم والفنون وقد جمعت له في أشرطة وأقراص علمية. نسأله تعالى أن يُقَوِّيه على طاعته وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته يوم لا ينفع مال و لا بنون إلاّ من أتى اللهَ بقلب سليم.

    ٤. صفاته الخَلقية والخُلقية:
    من نِعَمِ الله تعالى على الشيخ أن وَهَبَه بسطة في العلم والجسم، فقد رُزِق قوةً جسمية وكمال هيئة وحُسنَ سَمْتٍ وجَمال وجهٍ ومظهر، وأتاه الله تعالى هيبة ووقارا، يحترمه الموالف والمخالف، وهو قريب الشَّبَهِ في شكله و صورتِه وصَوتِه بالشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، كما شهد بذلك من رآهما.
    وكُلُّ من خالطه واقترب منه عَلِمَ أنه عَلَمٌ في الفضيلة وكرمِ الخِلال ودماثة الأخلاق، سَهْلُ الجانب، كريمُ النفس، واسع الإيثار، حَسَنُ الألفة والمعاشرة، متين الحرمة، عالي الهِمَّة، كثير التحمُّل واسع الصدر للمخالف على جانب كبير من التواضع، نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً.
    ومن أبرز المعالم في شخصية الشيخ حفظه الله تعالى:
    أ- حُسن قصده وسلامة طويَّته ومحبته لنفع الناس عامة وطلبة العلم خاصة، فلا تخلو صلاة من الصلوات الخمس إلاّ ومعه طائفة من السائلين والمستفيدين يقف معهم الساعة والساعتين يجيبُ هذا ويوَجِّه ذاك وينصح الثالث، وهكذا مع هدوء الطبع وسداد الرأي وعدم التبرُّم.
    وقد حدَّثنا يوماً عن طلبه للعلم بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية فكان مما قاله:”كنت إذا استفدتُ فائدة فرحت بها فرحاً عظيما وتمنيتُ لو استطعت أن أطير بها إلى الجزائر لأبلِّغها للناس ثم أرجع إلى المدينة”.
    فإذا كان المرء يحمل في نفسه هَمَّ الدعوة إلى الله وتبليغ الإسلام الصحيح إلى الناس، فإن علمه يثبت في صدره ولا يتفلت منه غالبا لنُبل مقصده وحسن نيَّته، خلافا لمن يحفظ للامتحانات أو لأغراض أخرى دنيوية، فإنَّ حفظه في الغالب يزول بزوال الغرض الذي حفظه من أجله.
    ب- دفاعه عن العقيدة السلفية و ذبُّه عن حياض السنة بأسلوب حكيم وطريقة مثلى، عملا بقوله تعالى ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيْلِ رَبِِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالُمهْتَدِينَ﴾[النحل ١٢٥]، فهو لا يداهن في مسائل التوحيد ولا يتنازل عن قضايا العقيدة، ويعرض قولَه بأسلوب علمي حكيم واضح مجتنبا مذهب الفظاظة في القول مما لم يأذن به الشارع، لأنَّ طريقة السِّباب والشتم في المجادلة يُحسنها كل أحد ولا يسلكها إلا العاجز عن إقامة الحجة ومن ضاق عطنُه عن بيان المحجَّة، فالذي ينبغي على الداعية الحرص على هداية الناس وإيصال الحق إليهم بطريقة شرعية تقبلها القلوب ولا تنفر منها الطباع، وأما من حاد عن السبيل وطعن في نحر الدليل، ففي قوارع التنزيل والألفاظ الشرعية ما يزجره ويردعه، ولله درُّ العلامة المعلمي حيث قال :”وفي النكاية العلمية كفاية إن كانت النكاية مقصودة لذاتها”.
    ج- كثرة تحمُّله وشدة صبره وسعة صدره للمخالِف، يَزين ذلك سكينةٌ ووقار، ذلك في سكينة ووقار، فإنّ صاحب العلم والفُتيا أحوج ما يكون إلى الحلم والسكينة والوقار إذ هي كسوة علمه وجمالُه، وإذا فقدها كان علمُه كالبدن العاري من اللباس، كما قال بعض السلف:”ما قُرن شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حلم”
    فكم من سائل جهل عليه في سؤاله فيحتمل ذلك منه ويعامله على قدر عقله ولا يخرج بسبب ذلك عن طوره وحُسن سمته، وكم من شخص آذاه فألان له الجانب وغمره بحلمه وقابل إساءته بإحسان فأزال بذلك ما في نفسه من الإِحَن، وما في صدره من الضغينة.
    وإن تعامله مع الناس ليُذَكِّرني بقول العلامة ابن القيم فيما يحتاجه المفتي :”فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله، وضد الطيش والعَجَلة والحدَّة والتسرع وعدم الثبات، فالحليم لا يستفزه البَدَوات، ولا يَسْتَخِفُّه الذين لا يعلمون، ولا يٌقْلِقُه أهل الطيش والخفة والجهل، بل هو وقور ثابت ذو أناةٍ يملك نفسه عند ورود أوائل الأمور عليه، ولا تملكه أوائلها، وملاحظته للعواقب تمنعه من أن تستخفه دواعي الغضب والشهوة” (أعلام الموقعين ٤/٢٥١).
    د- تحقيقه العلمي وتوظيفه لعلم الأصول في المسائل الفقهية فإن المقصود من علم الأصول بناءُ الفقيه الحقّ الذي يحسن التعامل مع الأدلة بنفسه إذ لا يكون الفقه إلا بفهم الأدلة الشرعية بأدلتها السمعية الثبوتية من الكتاب و السنة والإجماع نَصّاً واستنباطاً (الاستقامة لابن تيمية ١/٦١)
    فالاجتهاد هو العلة الغائية لعلم الأصول، لكن الملاحظ عند كثير من المتأخرين انبتات الصلة بين الأصول والفقه كما قال بعضهم “أصبح الفقهاء يزرعون أرضا غير التي يحرثها لهم الأصوليون، فلا هؤلاء وجدوا لحرثهم من يزرعه، ولا أولئك زرعوا ما حرثه لهم الحارثون”.
    وقد حرَص شيخنا على تطبيق علم الأصول وتوظيفه في المسائل الفقهية التي يدرسها معتنيا بالقواعد الفقهية التي يمكن إرجاع تلك الفروع إليها، ومبيِّناً في آخر كل مسألة سبب الخلاف فيها ليكون الطالب على دراية بمأخذ الأدلة، وأن اختلاف العلماء ليس بالتشهي ولا اتباع الهوى ولكن بسبب تجاذب الأدلة واختلاف المأخذ، فتكون المعلومات مرتبة في ذهن الطالب بحيث يربط الفرع بأصله محسنا للظن بالعلماء فيما اختلفوا فيه، مسطِّراً النهج السديد والسبيل الأمثل لدراسة مسائل الخلاف.
    هـ- عدم استنكافه عن الرجوع إلى الحق والانصياع إليه:
    من محاسن شيخنا – وفقه الله – قبولُه للنّقد وتواضعه للحق وعدم استكباره عن الرجوع إلى الصواب إذا ظهر له، فكم من مسألة يستشكلها بعض الطلاب ويراجعونه فيها ولو شاء أن يجد مخرجاً لفعل ولكن إنصافه يمنعه من ذلك فيَعِد بمراجعة المسألة والنظر فيها، فإذا ظهر له الصواب مع المعتَرض صرَّح بذلك وأذعن إلى الحق، مطمئِنَّ النفس مرتاح البال لأنه يطلب الحق وينشد الصواب، وهذا هو أعظم أنواع التواضع وهو التواضع للنصوص الشرعية والرجوع إلى الحق، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً.

    ٥. مؤلفاته العلمية:
    تمتاز مؤلفات شيخنا -حفظه الله- بالأسلوب العلمي الرصين وتدقيق النظر في المسائل وتأصيلها والحرص على ذكر سبب الخلاف ومأخذه وقد لقيت قبولا عند المشايخ وطلبة العلم، ومن هذه المؤلفات:
    1) تقريب الوصول إلى علم الأصول لأبي القاسم محمد بن أحمد بن جُزَيّ الكلبي الغرناطي (ت ٧٤١هـ) دراسة وتحقيق. طبع بدار الأقصى – القاهرة ١٤١٠هـ.
    2) ذوو الأرحام في فقه المواريث -تأليف- وهي رسالة في العالمية ( الماجستير ) طبع بدار تحصيل العلوم – الجزائر ١٤١٣هـ.
    3) الإشارة في معرفة الأصول والوجازة في معنى الدليل للإمام أبي الوليد الباجي (ت ٤٧٤هـ) دراسة وتحقيق، طبع بالمكتبة المكية – السعودية.
    4) مفتاح الأصول إلى بناء الفروع على الأصول – ويليه: كتاب مثارات الغلط في الأدلة للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الحسني التلمساني (٧٧١هـ / ١٣٧٠م) دراسة وتحقيق ، وهي رسالة في العالمية (الدكتوراه) بعنوان ” أبو عبد الله الشريف التلمساني وآثاره الفقهية والأصولية”، طبع بمؤسسة الريان الطبعة الأولى ١٤١٩هـ / ١٩٩٨م. وطبع بدار تحصيل العلوم – الجزائر ١٤٢٠هـ / ١٩٩٩م.
    5) مختارات من نصوص حديثية في فقه المعاملات المالية – القسم الأول – دار الرغائب و النفائس – الجزائر ١٤١٩هـ / ١٩٩٨م.
    6) الفتح المأمول في شرح مبادئ الأصول للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت ١٣٥٩هـ / ١٩٤٠م ) دار الرغائب والنفائس- الجزائر. الطبعة الأولى ١٤٢١هـ / ٢٠٠٠م.

    سلسلة ” فقه أحاديث الصيام “:
    7) 1- حديث تبييت النية. درا الرغائب والنفائس- الجزائر. الطبعة الأولى ١٤١٩هـ/ ١٩٩٨م.
    8) 2- حديث النهي عن صوم يوم الشك. دار الرغائب والنفائس- الجزائر الطبعة الأولى ١٤١٩هـ / ١٩٩٩م.
    9) 3- حديث الأمر بالصوم والإفطار لرؤية الهلال. دار الرغائب والنفائس – الجزائر الطبعة الأولى – ١٤٢٢هـ / ٢٠٠١م.
    10) 4- حديث حكم صيام المسافر ومدى أفضليته في السفر. دار الرغائب والنفائس – الجزائر الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ / ٢٠٠٢م.

    سلسلة ” ليتفقهوا في الدين “:
    11) 1- طريق الاهتداء إلى حكم الائتمام والاقتداء. دار الرغائب والنفائس- الجزائر الطبعة 2. ١٤١٩هـ / ١٩٩٨م.
    12) 2- المنية في توضيح ما أشكل من الرقية. دار الرغائب والنفائس – الجزائر الطبعة 2. ١٤١٩هـ / ١٩٩٩م.
    13) 3- فرائد القواعد لحلِّ معاقد المساجد. دار الرغائب والنفائس- الجزائر الطبعة 2. ١٤٢٣هـ / ٢٠٠٢م.
    14) 4- محاسن العبارة في تجلية مقفلات الطهارة. دار الرغائب والنفائس- الجزائر الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ / ٢٠٠٢م..
    15) 5- الإرشاد إلى مسائل الأصول والاجتهاد. مكتبة دار الريان – الجزائر. الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ / ٢٠٠٠م .
    16) 6- مجالس تذكيرية على مسائل منهجية. دار الرغائب والنفائس- الجزائر ١٤٢٤هـ / ٢٠٠٣م.
    17) 7- ٤٠ سؤالاً في أحكام المولود ومعه التذكرة الجلية في التحلي بالصبر عند البلية – دار الرغائب و النفائس ١٤٢٥هـ / ٢٠٠٤م.
    18) 8- العادات الجارية في الأعراس الجزائرية. دار الرغائب والنفائس – الجزائر ١٤٢٦هـ / ٢٠٠٥م.
    19) مقالة في مجلة “الرسالة” الصادرة من وزارة الشؤون الدينية تحت عنوان “حكم التسعير: هل التسعير واجب أم ضرورة في الشريعة الإسلامية؟”.
    20) مقالة في مجلة “الموافقات” الصادرة من كلية العلوم الإسلامية بالجزائر تحت عنوان:”حكم بيع العينة”.
    21) مقالة في مجلة “منابر الهدى” تحت عنوان :”اعتبار اختلاف المطالع في ثبوت الأهلة وآراء الفقهاء فيه”.

    مؤلفات قيد الإصدار:
    1) من سلسلة ” ليتفقهوا في الدين ” العدد التاسع (حول مسائل الحج).
    2) الإنارة في التعليق على كتاب الإشارة لأبي الوليد الباجي.
    3) شرح و تعليق على العقائد الإسلامية للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت ١٣٥٩).

    و قد ناقش الشيخ العديد من رسائل الدكتوراه والماجستير منها:
    1) الرخصة الشرعية وأثرها في القضايا الفقهية (دكتوراه) للباحث كمال بوزيدي.
    2) دلالة الأفعال النبوية و أثرها في الفقه الإسلامي (دكتوراه) للباحث عبد المجيد بيرم.
    3) الإمام العلامة ابن خويز البصري البغدادي وآراؤه الأصولية دراسة استقرائية تحليلية مقارنة (دكتوراه) للباحث ناصر قارة.
    4) الجدل عند الأصوليين بين النظرية والتطبيق (دكتوراه) للباحث مسعود فلوسي.
    5) أبو إسحاق الاسفراييني وآراؤه الأصولية جمع ودراسة (دكتوراه) للباحث علي عزوز.
    6) فتاوى النوازل (الأحوال الشخصية بين ابن تيمية و الونشريسي أنموذجا) دراسة نظرية تطبيقية (دكتوراه) للباحث ميلود سرير.
    7) أحكام المساقاة في الشريعة الإسلامية (ماجستير).
    8) التوقف عند الأصوليين دراسة تحليلية نقدية (ماجستير).
    9) حروف الإضافة عند الأصوليين وأثرها في اختلاف الفقهاء (ماجستير).
    10) أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم المجردة وموقف العلماء من دلالتها على الأحكام الشرعية (ماجستير).
    11) أنواع السنة وكيفية بيانها للأحكام – دراسة أصولية – (ماجستير).
    12) طرق الوقاية من الجريمة في الشريعة وقانون العقوبات الجزائري (ماجستير).
    13) كتاب فتح الجليل الصمد في شرح التكميل والمعتمد -دراسة و تحقيق- (ماجستير).
    14) القواعد الأصولية المستخرجة من كتاب إحكام الأحكام لابن دقيق العيد وبيان مذهبه فيها (ماجستير).

    كما أشرف على الكثير من رسائل الدكتوراه والماجستير منها:
    1) آراء ابن القيم الأصولية (دكتوراه) للباحث عبد المجيد جمعة.
    2) آراء ابن عبد البر الفقهية (ماجستير).
    3) الاختيارات الفقهية لابن رشد (ماجستير).
    4) التداوي بالمحرمات أحكامه و أحواله (ماجستير).
    5) الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح (ماجستير).
    6) صوارف الأمر والنهي للاستحباب والكراهة وتطبيقاتها الفقهية (ماجستير).
    7) مفهوم الحصر وآثاره الأصولية والفقهية (ماجستير).
    8) الأحكام الكبرى -كتاب الأذان للإمام ابن كثير- دراسة وتحقيق (ماجستير).
    9) الغرر وأثره في عقود المعاوضات المالية (ماجستير).
    10) إجماعات النووي -جمع ودراسة- (ماجستير).
    11) التصحيح والتوضيح للمنقول عن الشافعي في علم الأصول -تنصيصا وتخريجا- (ماجستير).
    12) الآراء الأصولية لأبي بكر الصيرفي -جمع و دراسة وتحقيق- (ماجستير).
    13) مراحل الحمل بين الشريعة والطب المعاصر وآثارها الفقهية (ماجستير).
    14) تخريج الفروع والأصول على الأصول -دراسة نظرية تطبيقية- (ماجستير).
    15) القاضي عبد الوهاب أصوليا (ماجستير).
    16) إعمال أولوية التأسيس على التأكيد في مجالي الفقه والأصول (ماجستير).
    17) إبراز الحكم من حديث “رفع القلم” للإمام تقي الدين السبكي (ماجستير).
    18) دلالة مفهوم المخالفة عند الأصوليين وأثرها في اختلاف الفقهاء -باب النكاح أنموذجا- (ماجستير).
    19) المنهج الأصولي و تفريعاته الفقهية عند الحافظ ابن خزيمة في كتابه “الصحيح” (ماجستير).
    20) المماثلة في القصاص فيما دون النفس -دراسة فقهية مقارنة- (ماجستير).
    21) الآثار الفقهية المترتبة على الاختلاف في الحكم على الحديث من خلال كتاب “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” لابن رشد -دراسة حديثية فقهية- (ماجستير).
    22) طرق دفع التعارض بين الأدلة الشرعية عند أبي جعفر الطحاوي في كتابه “مشكل الآثار” و”شرح معاني الآثار” (الماجستير).

    وللشيخ مقالات نشرت في مجلة منابر الهدى، وإجابات عن أسئلة وردت عليه من مختلف مناطق الجزائر ومن خارج الجزائر منها المكتوب بخطه ومنها المسجل في أشرطة في العقيدة والمنهج والفقه والأصول و نصائح دعوية، لا يزال سائرا على هذا الدرب بخطى ثابتة وهمة عالية، نسأل الله تعالى أن يبارك في جهوده ويجعلها في ميزان حسناته وأن يسلك به سبيل العلماء العاملين إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله ربّ العالمين.

    كتبه بتاريخ: 13 ربيع الأول 1425ﻫ
    الموافق لـ : 1 جوان 2004م

  3. الشيخ فركوس حفظه الله عالم فقيه رغم أنف الجميع said

    هذا ما قال الشيخ فركوس حفظه الله عندما علم ماتنسبون إليه من فتوى

    الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
    فاعلم أنَّ «الزلابية» كغيرها من الحلوى معدودةٌ من الطيِّبات يتغذَّى بها الجسم كسائر الأطعمة التي يكون لها أثرٌ طيِّبٌ على قوام بدن الإنسان، والأَصْلُ فيها الحلُّ، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، وقولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، واللهُ تعالى أباح لعباده المؤمنين الطيِّباتِ لينتفعُوا بها، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، وقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «الحَلاَلُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ»(١)، والحكمُ بإباحتها كأصلٍ عامٍّ لا يجوز تحريمُه بحالٍ إلاَّ إذا فصَّل الله لنا ما حرَّم، فما كان حرامًا أو مكروهًا فلا بدَّ أن يكون تحريمُه مفصَّلاً على وجه الاستثناء من الأصل العامِّ، لقوله تعَالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، ويعود التفصيل إلى جملة حالاتٍ وعِللٍ تقترن بالحلِّ فتصيِّره منهيًّا عنه محرَّمًا أو مكروهًا بحسَبِ الحالة، ومن هذه العلل والحالات: المضرَّةُ والإسراف، والاستعانة بِه على المعصية، والتشريعُ. وليس الحكمُ المفصَّلُ خاصًّا ﺑ«الزلابية»، وإنما هو عامٌّ لكلِّ طعامٍ طاهرٍ طيِّبٍ، وعليه:
    – فكلُّ طعامٍ طاهرٍ لا مضرَّة فيه فهو مباحٌ، فإن أحدث ضررًا عند تناوُله فيُمْنَعُ شرعًا وطبًّا لعلَّة الضرر، لوجوب المحافظة على الأبدان في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، ولقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ولقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ»(٢)، ومن عموم هذه النصوص قُعِّدتْ جملةٌ من القواعد الفقهية منها: أنَّ «التَّحْرِيمَ يَتْبَعُ الخُبْثَ وَالضَّرَرَ».
    – وكلُّ طعامٍ طاهرٍ لا مضرَّة فيه مُباحٌ ما لم يصل إلى حدِّ الإسراف والتبذير فيُمْنَعُ لهذه العلَّة، ويشهد لذلك قولُه تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، ولقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٦-٢٧].
    – وكلُّ طعامٍ طاهرٍ لا مضرَّةَ فيه ولا إسرافَ ولا تبذيرَ مُباحٌ بشرط أن يُستعان بِهِ على الطاعة، ويحْرمُ إن اسْتُعين به على معصيةٍ، كمن يتغذَّى باللحم والخبز والتمر أو الحلوى ليستعين بها على شُرب الخمر، وإتيان الفواحش، أو يتغذَّى ليقوى على محاربة دعوة التوحيد التي جاء بها النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم صافيةً بالتشويه والتضليل والصدِّ عن سبيل الله، أو يستعينُ بها على الاعتداء على دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، فإنَّ هذه الطيِّباتِ يُسأل عنها؛ لأنه لم يُؤَدِّ شُكْرَها، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]، ولقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، أي: عن الشكر عليه، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «كلُّ لباسٍ يغلب على الظنِّ أن يُستعان بلُبسه على معصيةٍ فلا يجوز بيعُه وخياطته لمن يستعين به على المعصية والظلم، ولهذا كُره بيعُ الخبز واللحم لمن يعلم أنه يشرب عليه، وبيعُ الرياحين لمن يعلم أنه يستعين به على الخمر»(٣).
    – وكلُّ طعامٍ طاهرٍ لا مضرَّةَ فيه ولا إسرافَ ويُستعانُ به على الطاعة فلا يجوز أن يُخصَّص أيُّ مطعومٍ بالعبادة استدراكًا على صاحب الشريعة بعد ما أَتمَّها اللهُ بنبيِّه صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم، وأكملها قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فدَلَّتِ الآيةُ على كمال الشريعة واستغنائها عن زيادة المبتدعين واستدراكات المستدركين، وقد أتمَّ الله هذا الدِّينَ فلا يُنْقِصُهُ أبدًا، ورضِيَهُ فلا يَسْخَطُهُ أبدًا، وقد جاء عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قولُه: «وَايْمُ اللهِ، لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ»(٤)، وقد بيَّن النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم هذا الدِّينَ أتمَّ البيان، وقامَ بواجب التبليغ خيرَ قيامٍ، ممتثلاً لقول ربِّه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقد شهدت له أُمَّتُه بإبلاغ الرسالة وأداءِ الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خُطبته يومَ حجَّة الوداع.
    وعليه، فمن أوجب طعامًا في موضع عبادةٍ أو استحبَّه ولم يَرِدْ في الكتاب والسنَّة ذِكْرُه فقد شرَّع أمرًا ما أنزل الله به من سلطانٍ، ومثلُ هذا التشريع محرَّمٌ بنصِّ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فالحكمُ الشرعيُّ إنما يُؤخذُ من الشرعِ، إذ الحكم لله وحده، ولا يجوز إثباتُ حكمٍ شرعيٍّ بغير الأدلَّة الشرعية التي جعلها اللهُ طريقًا لمعرفة أحكامه، وهذا أصلٌ عظيمٌ من أصول هذا الدين(٥)، وعليه فإنَّ القول على الله بغير علمٍ محرَّمٌ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، ومنه يُفْهمُ أنَّ اعتقادَ الصائم أنَّ صيامه لا يَكْمُلُ أو لا يجزئ إلاَّ بأمورٍ يشرِّعها لنفسه، سواءٌ كانت «الزلابية» أو غيرَها، أو يعتقِدُ أنَّ عقيقته لا تصحُّ ولا تَكْمُل إلاَّ ﺑ«الطمِّينة» أو غيرِها؛ فيحتاج هذا التشريعُ إلى دليلٍ من صاحب الشريعة وإلاَّ كان بدعةً إضافيةً أصلُها شرعيٌّ ونوعُ إيرادِها باطلٌ، واعتقادُ العبادة فيها بدعةٌ، وهذا جريًا على قاعدة: «كُلُّ مَا أُضِيفَ إلى حُكْمٍ شرعِيٍّ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ».
    وهذا القولُ لم أنْفردْ به، بل كُتُبُ المالكيةِ طافحةٌ بذلك، وعلى سبيل المثال: ذَكَرَ ابْنُ الحاج المالكيُّ في «المدخل» بدعةَ اليوم السابع عن الميِّت قَالَ: «عملُ الزلابية أو شراؤها وشراءُ ما تُؤْكَلُ به في اليوم السابع»(٦)، وقال في معرِض ذِكْرِ بعض بدع الخروج بالجنازة: «حملُ الخبز والخرفان أمام الجنازة وذَبحُها بعد الدفن وتفريقُهَا مع الخبز»(٧)، وذَكَرَ علي محفوظ في «الإبداع» عن الطيِّبات المقرونة بالتشريع على وجه البدعة، قال: «ذبْحُ الجاموس عند وصول الجنازة إلى المقبرة قبل دفنها وتفريقُ اللحم على من حَضَرَ»(٨)، وذَكَرَ «الخِرْفَان تُذْبَحُ عند خروج الجنازة تحت عَتَبَة الباب»(٩).
    هذه بعض الصور من البدع الإضافية، ولم يقُلْ أَحَدٌ أنَّ ذَبْح الخرفان محرَّمٌ ولا الجاموسِ ولا حملُ الخبز ولا أكلُ «الزلابية» ولا شراؤها أو شراءُ ما تُؤكلُ به؛ لأنَّ أصْلَها طيِّبٌ صحيحٌ، لكن لمَّا وردَت في أحوالٍ أو أيَّامٍ أو أماكنَ مخصوصةٍ على وجه العبادة والتشريع مُنعَتْ مِنْ أجل هذا الاعتقاد الفاسد الذي فيه اتِّهامٌ للشرع بالنقصان، وللنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم بعدم تبليغه للرسالة التي كُلِّف بها، ولا شكَّ أنَّ صاحب هذا الاعتقاد يتقرَّب إلى الله بالمشروع وهو الصيامُ أو العقيقةُ، ويتقرَّب أيضًا بغير المشروع؛ لأنَّ الشرع لم يجعل العبادةَ في هذين المطعومين من الحلوى، والواجبُ كما يكونُ العملُ مشروعًا باعتبار ذاته يجب أن يكون مشروعًا باعتبار كيفيته، لقوله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(١٠)، والمعتقِدُ فيهما قد خلَط عملاً صالحًا وآخر سيِّئًا، وهو يعتقدُ أنَّ الكلَّ صالحٌ، وقد أوضح الإمامُ أبو إسحاقَ الشاطبيُّ المالكيُّ -رحمه الله- في كتابه «الاعتصام» أقوى إيضاحٍ في الباب الخامس: «في أحكام البدع الحقيقية والإضافية والفرق بينهما»(١١).
    فالحاصل، أنه كما لا يجوز إباحةُ ما حرَّم الله بالتفصيل لا يجوز تحريمُ ما عفَا الله بالأصل العامِّ ولم يُحرِّمْه، ولا تلازُمَ بين إباحة الطيِّبات بالأصل الكلِّيِّ، ومنعها بالدليل الجزئيِّ على نحو ما فصَّلناه.
    وأمَّا الرشوة فالحكم فيها -أيضًا- يدور بين الأصل العامِّ والحكم التفصيليِّ كما بيَّنتُه -مفصَّلاً- في فتوى «في حكم من صانَع بماله عند الاضطرار» تحت رقم: (٢٠٧).
    وأَمَّا التعريضُ فقد ذكر الإمام النوويُّ في «الأذكار» نقلاً عن أهل العلم أنهم ضَبَطوا بابَ التعريض جمعًا بين الآثار المبيحة وغير المبيحة له على الوجه التالي: «إِنْ دَعَتْ إلى ذلك مصلحةٌ شرعيةٌ راجحةٌ على خداع المخاطَب، أو حاجةٌ لا مندوحة عنها إلاَّ بالكذب فلا بأس بالتعريض، وإن لم يكن شيءٌ من ذلك فهو مكروهٌ وليس بحرامٍ، إلاَّ أن يُتوصَّل به إلى أخذ باطلٍ أو دفع حقٍّ فيصير حينئذٍ حرامًا»(١٢)، هذا ما فصَّلناه لمن ابتغى الحقَّ أو ألقى السمع وهو شهيدٌ.
    لكنَّ الذي كلَّف نفسَه بالردِّ وتفعيلِ الشرِّ وتسطيره -مع عدم تأدُّبه واحترامِ مَنْ يَكبُره- فأتى بالعجائب حيث خلَط بين ما هو أصلٌ عامٌّ وبين ما هو مفصَّلٌ ونَسَبَ هذا لهذا وهذا لذاك، ثمَّ رمى به بريئًا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢].
    هذا، وأخيرًا فإنَّ النصيحة التي أقدِّمها في هذا المقام وجوبُ التبيُّن من نَقَلة الأخبار، والتثبُّت من أقوالهم، بالنظر إلى تفشِّي شهادة الزور وكتمان الحقِّ وقِلَّة التورُّع عن كثرة الكذب، فقد أَمَرَنا الله تعالى بذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
    ومن انعكاس الحقائق وتغيُّر الأحوال ما هو مشاهَدٌ في هذا الزمن من استئثار الأسافل بالأمور، وارتفاع الأراذل في المقام، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وتكلُّم من لا يهتمُّ بدينه في غير فَنِّه، وذلك من علامات الساعة، فقد روى أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ» قِيلَ: «وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ يَا رَسُولَ اللهِ» قَالَ: «السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ»(١٣).
    نسأل اللهَ تعالى أن يحفظَ لنا عقولَنا، ويسدِّد لنا خُطانا وأقوالَنا، ويُثبِّتَنَا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، ويحشرَنا مع المتَّقين أهلِ العدل والدِّين.
    وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

RSS feed for comments on this post · TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: